أحمد بن مصطفى بطاش كبرى زاده
12
مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم
إذا عرفت أن من العلم المحمود والمذموم ، فاعلم : أن من العلوم الشرعية ما هو المحمود صورة والمذموم معنى . منها الفقه وقد كان يطلق على علم طريق الآخرة ، ومعرفة آفات النفوس ومفاسد الأعمال ، والإحاطة بحقارة الدنيا وشرف نعيم الآخرة ، واستيلاء الخوف على القلب ؛ والآن خص بمعرفة الفروع الغريبة والفتاوى العجيبة ، والاطلاع على عللها ، وتتبع المقالات المتعلقة بها ، والاستكثار من المسائل الفرعية حتى تفريعات الطلاق واللعان والسلم والإجارة ، سواء تجرد للأمور الأخروية أو لا . وقد كان في العصر الأول : الأصل معرفة أمور الآخرة وأمور الدنيا بالتبع لها ؛ والآن انعكس الحال ، فتداخل الذم إلى الفقه من هذه الجهة ، وإن كان محمودا في الأصل . ومنها العلم وقد كان يطلق على العلم باللّه تعالى وبآياته وأفعاله في عباده وخلقه ، وخصصوه اليوم بمن يشتغل بالمناظرة في المسائل الفقهية وغيرها . ويقال له هو الفحل في العلم والعالم على الحقيقة ، ومن لم يكن كذلك يعدونه من الضعفة ، وإن كان عارفا باللّه وصفاته والمبدأ والمعاد والتفسير والأخبار . ومنها التوحيد وقد كان يطلق على أن يرى الأمور كلها من اللّه تعالى رؤية تقطع التفاته عن الأسباب والوسائط ، فلا يرى الخير والشر الا منه جل جلاله ؛ والآن عبارة عن صناعة الكلام ، ومعرفة طريق المجادلة ، والإحاطة بالمناقضات ، والقدرة على التشدق فيها بتكثير الأسولة وإثارة الشبهات وتأليف الالزامات ، حتى لقب طوائف منهم أنفسهم بأهل العدل والتوحيد ، وسمى المتكلمون العلماء بالتوحيد ، مع أن أبواب الجدل والمماراة كان مما يشتد النكير عليه في العصر الأول . ومنها الذكر والتذكير وقد كان في العصر الأول يطلق على التكلم في علم الآخرة والتذكير بالموت ، والتنبيه على عيوب النفس وآفات النفس ، والأعمال ، وخواطر الشيطان ووجه الحذر منها ، ويذكر بآلاء اللّه سبحانه ونعمائه ، وتقصير العبد في شكره ، ويعرف حقارة الدنيا وعيوبها وتصرمها وقلة عهدها ، وخطر